الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

64

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بخلاف قوله تعالى في آية الصيام في قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [ البقرة : 184 ] لأنه أريد هنالك بيان أن الصوم مع وجود الرخصة في الفطر أفضل من تركه أو أن الزيادة على إطعام مسكين أفضل من الاقتصار عليه كما سيأتي . وتطوّع يطلق بمعنى فعل طاعة وتكلفها ، ويطلق مطاوع طوّعه أي جعله مطيعا فيدل على معنى التبرع غالبا لأن التبرع زائد في الطاعة . وعلى الوجهين فانتصاب خَيْراً على نزع الخافض أي تطوع بخير أو بتضمين تَطَوَّعَ معنى فعل أو أتى . ولما كانت الجملة تذييلا فليس فيها دلالة على أن السعي من التطوع أي من المندوبات لأنها لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع عظيم ، على أن تَطَوَّعَ لا يتعين لكونه بمعنى تبرع بل يحتمل معنى أتى بطاعة أو تكلف طاعة . وقرأ الجمهور : وَمَنْ تَطَوَّعَ بصيغة الماضي ، وقرأه حمزة والكسائي ويعقوب وخلف يطوع بصيغة المضارع وياء الغيبة وجزم العين . و مِنْ هنا شرطية بدليل الفاء في جوابها . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ دليل الجواب إذ التقدير ومن تطوع خيرا جوزي به لأن اللّه شاكر أي لا يضيع أجر محسن ، عليم لا يخفى عنه إحسانه ، وذكر الوصفين لأن ترك الثواب عن الإحسان لا يكون إلّا عن جحود للفضيلة أو جهل بها فلذلك نفيا بقوله : شاكِرٌ عَلِيمٌ والأظهر عندي أن شاكِرٌ هنا استعارة تمثيلية شبه شأن اللّه في جزاء العبد على الطاعة بحال الشاكر لمن أسدي إليه نعمة ، وفائدة هذا التشبيه تمثيل تعجيل الثواب وتحقيقه لأن حال المحسن إليه أن يبادر بشكر المحسن . [ 159 ، 160 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 159 إلى 160 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) عود بالكلام إلى مهيعه الذي فصل عنه بما اعترض من شرع السعي بين الصفا والمروة كما علمته آنفا . قال المفسرون إن هاته الآية نزلت في علماء اليهود في كتمهم دلائل صدق النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصفاته وصفات دينه الموجودة في التوراة وفي كتمهم آية الرجم ، وهو يقتضي